محمد جواد مغنية

173

التفسير الكاشف

وتسأل : لما ذا خص اللَّه يحيى بهذه الصفات الجلى ، وهو صبي ؟ . الجواب : ان للَّه شؤونا في خلقه ، فقد يمنح الفضل للصغار ، ويمنع الكبار منه ، ولكلّ من عطائه ومنعه حكمة قد تدركها العقول ، وقد تعجز عن إدراكها . . ولكنها تحاول ، وغير بعيد أن يكون القصد من اتصاف يحيى بهذه الصفات في مثل سنه هو إلقاء الحجة على بني إسرائيل إذا اختلفوا فيه ، ولم يستجيبوا لنصحه ودعوته ، وقد خلق اللَّه عيسى من غير أب « لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ ورَحْمَةً مِنَّا وكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا » وتأتي هذه الآية في المقطع التالي . وبرغم هذه الحجة الدامغة فقد عصوا يحيى وتمردوا عليه ، وأخيرا قتلوه وقتلوا أباه ، لا لشيء إلا لنهيهما عن المنكر . . ولا يكثر هذا على من قال عن اللَّه : يداه مغلولتان . . هو الفقير ونحن الأغنياء . وفي قصص الأنبياء ان هيرودوس حاكم فلسطين آنذاك عشق هيروديا بنت أخيه لجمالها ، وعزم على الزواج منها ، ولما أنكر ذلك يحيى سخطت عليه هيروديا ، واشترطت على عمها أن يكون رأس يحيى مهرا لها ، فذبحه وأهداها الرأس . . واشتهرت الرواية عن علي بن الحسين بن علي ( ع ) : ان أباه حين توجه إلى العراق كان يكثر من ذكر يحيى ، ويقول : من هوان الدنيا على اللَّه ان رأس يحيى بن زكريا أهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل . مَرْيَمَ الآية 16 - 21 واذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ( 16 ) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ( 17 ) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 ) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ